المسعودي

117

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وكان لا يجلس الا على قطعة مسح ، يشبه ان يكون طوله سبعة أشبار في عرض ذراعين أو أرجح ، وإلى جانبه ترسه وعليه اتكاؤه ، وليس في مضربه شيء غيره ، فإذا أراد ان ينام من ليله أو نهاره ، اضطجع على ترسه ، ونزع راية فيجعلها مخدته ، وأكثر لباسه خفتان مصبوغ فاختي . وكان من سنته ان للقواد والرؤساء والعظماء عنده مراتب في الدخول بباب مضربه ، بحيث تقع عينه عليهم ، ويرى مداخلهم ، فيمرون مع أطناب الشقاق إلى خيمة مضروبة ، بحيث لا يرى هو موضعها ، لكنه يرى مداخلهم إليها ، ومخرجهم منها ، فمن احتاج اليه منهم ، واحتاج إلى كلامه أو أمره أو نهيه ، دعاه فأمره ، وكان دخولهم بحيث يقع نظره عليهم عوضاً من السلام عليه ، ولم يكن لأحد أن يتقدم إلى باب مجلسه إلا رجل من خواصه يعرف بالعزيز ، وإخوته ، وله من وراء خيمته خيمة تقرب من أطناب مجلسه فيها غلمان من خواصه ، فإذا احتاج إلى أمر يأمر به صاح بهم ، فخرجوا اليه ، وإلا فهو في أكثر نهاره وليله في ذلك الموضع لا يقومون على رأسه ، وخيمته من داخل أخبية مطنبة ، كلها يدور فيها خمسمائة غلام ، يبيتون من داخل مضربه ، على كل نفس منهم ثقة ، قد وكل بتفقد أحواله ، لئلا يكون منهم عبث أو فساد ، فهو المأخوذ به ، ويذبح له في كل يوم عشرون شاة ، فتطبخ في خمس قدور من الصفر الكبار ، وله قدور حجارة يتخذ له فيها بعض ما يشتهيه ، وله أرزة ( 1 ) في كل يوم وخبيصة وفالوذج مع القدور الخمس ، وهي ألوان غليظة ، فيأكل منها ، ويفرق الباقي في الغلمان الذين في داخل مضربه ، ثم أهل عسكره حول مضربه وقربهم منه على حسب مراتبهم عنده . وقال بعض من ورد اليه برسالة السلطان : أيها الأمير ، أنت في رياستك ومجلسك ليس في خيمتك الا سلاحك ومسح أنت عليه ، قال : إن رئيس القوم يأتمُّ به أصحابه في ما يظهر من أفعاله وسيرته ، فلو استعملت ما ذكرت

--> ( 1 ) في نسخة : وله اوزة .